المقريزي
284
إمتاع الأسماع
مكة ، فوقعت يد راحلته صلى الله عليه وسلم على ثنية تهبط على غائط ( 1 ) ، فبركت ، فقال المسلمون : حل حل ( يزجرونها ) - فأبت أن تنبعث ، فقالوا : خلأت القصواء ( 2 ) ! فقال : إنها ما خلأت ، ولا هو لها بعادة ، ولكن حبسها حابس الفيل ، أما والله لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها . ثم زجروها فقامت ، فولى راجعا حتى نزل بالناس على ثمد من ثماد ( 3 ) الحديبية ( ظنون ) قليل الماء . خبر جيشان الماء من الثمد واشتكى الناس قلة الماء ، فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز في الثمد ، فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه بعطن ، وإنهم ليغترفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر . وكان الذي نزل بالسهم ناجية بن جندب ، وقيل : ناجية بن الأعجم ، وقيل : خالد بن عبادة ( 4 ) الغفاري ، وقيل : البراء بن عازب . مقالة المنافقين في دليل النبوة وكان على الماء نفر من المنافقين ، الجد بن قيس ، وأوس ( بن خولي ) ( 5 ) ، وعبد الله بن أبي ، فقال أوس بن خولي : ويحك يا أبا الحباب ! أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه ! أبعد هذا شئ ؟ فقال : إني قد رأيت مثل هذا . فقال أوس : قبحك الله وقبح رأيك ! فأقبل ابن أبي ( 6 ) يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أي أبا الحباب ! أين رأيت مثل ما رأيت اليوم ؟ فقال : ما رأيت مثله قط ! قال : فلم قلت ما قلت ؟ فقال عبد الله بن أبي : أستغفر الله . فقال ابنه : يا رسول الله ! استغفر له ! فاستغفر له .
--> ( 1 ) الغائط : من الغوط ، وهو المطمئن الواسع من الأرض ( ترتيب القاموس ) ج 3 ص 428 . ( 2 ) خلأت الناقة خلئا : حرنت : ( المعجم الوسيط ) ج 1 ص 248 . ( 3 ) الثمد : مكان اجتماع الماء ، ثمد الماء : قل ( المرجع السابق ) ص 100 . ( 4 ) في ( خ ) " عبادة " . ( 5 ) ظاهر العبارة يوهم أن أوس بن خولي من المنافقين ، وهو ليس منهم ، وما بين القوسين زيادة للبيان . ( 6 ) في ( خ ) " قأقبل أبي " .